أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

226

العقد الفريد

تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً « 1 » . مع أن امرأ لم يكن منها في حيرة ، إلا أعقبته بعدها عبرة ؛ ولم يلق من سرائها بطنا ، إلا منحته من ضرائها ظهرا ؛ ولم تطلّه منها ديمة رخاء ، إلا هطلت عليه مزنة « 2 » بلاء ؛ وحريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة ؛ وإن جانب منها اعذوذب واحلولى ، أمر عليه منها جانب فأوبأ ؛ وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعما ، أرهقته من نوائبها غمّا ؛ ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن ، إلا أصبح منها في قوادم خوف ؛ غرّارة ، غرور ما فيها ؛ باقية ، فان ما عليها ؛ لا خير في شيء من زادها إلا التقوى ، من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه « 3 » ، وزال عما قليل عنه ، استكثر مما يوبقه ؛ كم واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وكم من ذي اختيال فيها قد خدعته ؛ وكم من ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا وذي نخوة فيها قد ردّته ذليلا ، وذي تاج قد كبّته « 4 » لليدين والفم ؛ سلطانها دول « 5 » ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها مرّ ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام « 6 » وقطافها سلع « 7 » ؛ حيها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ومنيعها بعرض اهتضام ؛ مليكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وصحيحها وسليمها منكوب ؛ وحائزها وجامعها محروب ؛ مع أنّ من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته ، وهول المطّلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل ؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . ألستم في مساكن من كان أطول أعمارا ، وأوضح آثارا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا ، وأعتد عتادا ، وأطول عمادا ؟ تعبّدوا للدنيا أيّ تعبد ، وآثروها أي إيثار ، وظعنوا عنها بالكرّة والصّغار ؛ فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، وأغنت عنهم فيما أمّلتهم به بخطب ! بل أثقلتهم بالفوادح ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفّرتهم

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 45 . ( 2 ) المزن : السحاب يحمل الماء . ( 3 ) يوبقه : يهلكه . ( 4 ) كبّته : صرعته ، وكبّ إناء : مكبه . ( 5 ) دول : أي لا يستقرّ لأحد بل يتداوله البعض لمن البعض . ( 6 ) رمام : بالبة . ( 7 ) سلع : شجر مر .